الامتنان

في هذا الفديو، يلوم الأب نفسه، كيف أنه بلا وعي منه جعل من ابنته مسؤولة عن كسول يعتقد في دواخل نفسه أنها مسؤولة عنه، لايفرق بين حقوقه وواجباته، لايعرف كيف يتمن ولا يعرف كيف يشكر، يلوم الأب نفسه على تربيته ابنته بأن جعلها تلوم نفسها على تقصير ليس من واجباتها، لاتشعر بالفخر إطلاقاً، وإنما كل ماتشعر به يومياً مهما وصلت من انجازات على مستوى حياتها الشخصية هو تأنيب الضمير. فلو نجحت في نيل شهادة عظمى، تفكر دوماً بتعويض أطفالها وزوجها وبيتها/ تعويض والدها ووالدتها على تقصيرها معهم وعدم تلبية احتياجاتهم، تعويض كل من تعرف على وقتها الذي اقتطعته للحصول على تلك الشهادة، وكأنما أن الفخر بذاتها تحول لتأنيب على تقصيرها، قد لانقول ذلك بصريح العبارة، ولكننا نفكر به. وهنالك عبارة رائعة قالتها احدى بطلات مسلسل sex and the city، “أنا تعبت كثيراً للحصول على شهادة هارفارد، وتعبت كثيراً ليكون منصبي مرتفعاً جداً، وراتبي اعلى من كثير من الرجال، لن أدع أحدهم لمجرد أن أكون على علاقة معه، أن يجعل كل هذا يعتبر أمراً سلبياً، فالسلبي هو عدم اكماله للجامعة، والسلبي هو أنه لم يتم قبوله سوى أن يكون نادلاً في مطعم، فاستصغاره لذاته مقارنة بي، مشكته هو ولا أسمح أن يجعلها مشكلتي”

في مدونتي القديمة -اللي انحذفت بسبب خطأ تقني- كان لي موضوع عنوانه “أن أكون أماً لبنت” وفكرته تتلخص في صعوبة توجيه البنت بسقف طموح لامحدود في ظل مجتمع ذكوري، صعوبة مواجهة الأحلام بالواقع. فكنت أفكر كثيراً في كيف سأربّي ابنتي، كيف سأجعلها طموحة بدون أن تواجه التفرقة الجنسية، بدون أن أزرع بداخلها أن تكون مسؤولة عن أخطاء المجتمع، بدون أن تكبر وتلوم ذاتها على حدود لاشرعية، وضعية، لا تنطلق الا أخطاء في الواجبات والحقوق، لايلام عليها الذكر ولا الأنثى، بل جميعنا، على عدم تأملنا لما يدور حولنا، بعدم تفكّرنا بالتفاصيل الصغيرة جداً التي نقوم بها، ونتخذها كمسلمات وبديهيات يجب القيام بها. فلطالما كرهت التعصب النسوي الذي يصنّف الآخرين بمقاييس بدون النظر لرغباتهم الحقيقية، الذي يجعل من الفتاة التي تحلم بأن تُحبّ وتنجب أطفالاً حتى لو كانت تحمل شهادات عليا شخص انهزامي أُمّي. والذي يجعل من الفتاة التي تعمل في شركة مختلطة حتى لو كانت المسؤولة عن تحضير القهوة شخصاً ناجحاً. التعصب الفكري الذي يرفض توجيه الأطفال بالمعتاد ليوجهوهم إلى غير المعتاد بدون أن يتركوا لهم حرية التصرف والاختيار.

ما أعلمه سابقاَ هو أنه إن كان لدى الطفل مهارة، فهي مهارة الملاحظة والتقليد، مهارة الاكتساب، فالطفل يتعلم من أول يوم في حياته لا من خلال التوجيه وإنما من خلال التقليد، فهو خلال سنوات عمره الأولى يكتسب معرفة التعامل مع الأمور البديهية من خلال من يخالطهم أكثر وقته، وغالباً ما يكونون الأم والأب. فتربية الطفل هي بتربية الذات. لكن الذي ايقنته اليوم، أنه مع تقدم الطفل بالعمر تتقدم مهاراته، فهو لايكتسب التصرفات فقط من والديه أو من يخالطهم، وإنما سيكتسب أفكارهم، معتقداتهم ورؤيتهم للحياة. فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قال: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)، فالايديولوجيا التي يتعلمها الطفل من والديه الاكتساب، فكلما زاد عمره، زاد وعيه، وصار يقتبس من أبواه توجهاتهم بدون توجيه منهم. فعندما يساهم الوالدان في ترسيخ أفكار من خلال تصرفاتهم تجاه بعضهم البعض، فهما يساهمان في توجيه أطفالهم. والحلقة التي كانت مفقودة لدي هي الامتنان.

علّموا أطفالكم الامتنان للآخرين من خلال امتنانكم للآخرين، فالطفل كائن ذكي جداً، يعلم أن الشكر يقدّم تجاه خدمة ليست واجبة على الاخرين تقديمها له، فإظهار الامتنان من خلال علاقتك كمسؤول عن طفل تجاه الآخرين، وشكرهم على البديهيات، يجعل الطفل يتعلم في لاوعيه أنه يجب أن يُشكر هو بدوره، وأن لا يلوم ذاته اليوم أو مستقبلاً على عدم فعله أمرٌ ليس مسؤول عنه وإنما يتفضل بفعله -عندما لايفعله. تعليمه أنه من الضروري أن يكون محاطاً بالآخرين الذين يقدّرونه، عندما يكتسب من أمه وأبيه أنهما يشكلان فريقاً ناجحاً لاينجح عندما يعمل كل منهما على حدة، هذا الامتنان الذي يكون بين الأم والأب، يخلق مستقبلاً شاباً يعرف كيف يمتن للآخرين، يخلق شاباً ليس عالّة على مجتمعه، تخلق شاباً يمتنّ لبديهيات كان يعتقد أنها من حقه.  يخلق فتاة تكبر وتعرف أن لوم المجتمع لها على تقصيرها خلال فترة نجاحها في حياتها الذاتية هو مشكلة المجتمع لامشكلتها، يخلق فتاة تكّون عائلة بدون أن تلوم ذاتها على تقصيرها تجاههم حين انشغالها في تطوير ذاتها، وتعلم يقيناً أن ذلك مشكلة المجتمع لا مشكلتها، تخلق فتاة تملك القدرة على الاختيار بدون أن تلوم ذاتها.

علموا ذواتكم على الامتنان، وتعلّموا مالذي يجب للآخرين أن يتمنوا لكم لأجله.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s