وداعاً يا ألواني

هنالك قصة قصيرة أحكيها لابنتي قبل أن تنام، عن أميرة في قصر ضخم تحب اللون الوردي فقط – نظراً لأن ابنتي في فترة من فترات نموها أصبحت تود لو تحولنا للون الوردي من شدة إعجابها بهذا اللون- وهذه الأميرة ترفض أي لون آخر، إلى أن تعب هذا اللون وقرر الهرب وقت نومها، وعندها تحولت جدران غرفتها إلى لون أحمر، وملابسها إلى متعددة الألوان، وسريرها وكل شي، و عندما استيقضت غضبت جداً، وصارت تقول أنا أكرهكم أيها الألوان، ثم حزنت كثيراً، ولم تنتبه أن الألوان أيضاً هربوا منها، وتحول كل شيء إلى الأبيض الباهت. عندها علمت الخطأ الذي اقترفته وذهبت للغابة لتبحث عنهم حتى وجدت كوخ صغير مليء بالألوان فعلمت أنهم بداخله، اعتذرت منهم وقررت الاعتدال في استخدام الألوان، بالرغم من تفضيلها اللون الوردي، لكنها ستستخدم ألوان أخرى.

هذه هي القصة المفضلة لها. فقبل النوم أصبحت “تشيك” على أدواتها الوردية، بالرغم من أنها لاتصرح بذلك، خوفاً من هروب الألوان منها ؛)

 

في هذا الوقت أنا لم أفعل، حتى هربت مني الألوان ذاتها، بات كل شيء باهتاً ويفتقد للروح التي كانت تنعشه، هرب الشغف وهربت الحياة. منذ تلك المدة وأنا أحاول البحث، ليس عن الألوان طبعاً، إنما عن الروح المنعشة التي ستجعلني أعيد النظر، ففي كل شغف جديد، أجد أحدهم يحاول تصيّد هذا الأمر ليجعله تافهاً وغير جذاباً كما كان، في كل رغبة جديدة، يأتي آخر ليقتلع جذورها قبل أن تبدأ بالنمو، حول كل ذلك، صرت أفكر، كيف سمحت لهم؟ كيف تتهاوى هذه الرغبات قبل أن تظهر؟ لم أجد جواباً، لكني مع الوقت آثرت الاهتمام بمشاعري تجاه الأشياء، فقررت أن أتخلص من تتبع تفاصيل حياة الآخرين على السوشال ميديا، قررت التخلص من محاولة نقل طموحاتهم ورغباتهم لتصبح رغباتي، وذلك لأني صرت ألحظ أن منحنى المشاركة على السوشال ميديا يتغير، بدأت عناصره تتثاقل علي، تحول من كونه وسيلة لطيفة لمشاركة المشاعر واللحظات المميزة، إلى وسيلة للتباهي ومحاولة “توضيع” على مستوى شخصي -إن وفقت بترجمة كلمة بوزشننق- فبالنسبة لي أصبح اسلوب تصنيف، فقررت عدم متابعة أخبار الآخرين، وألغيت كافة تواصلي “سوشاليازياً” مع أي شخص أعرفه، فالمقربين يفترض أن أعرف أخبارهم منهم ذاتياً أو عبر الآخرين المقربين منهم ذاتياً، وليس من صور أو كلمات يشاركوننا إياها.

هل جعل ذلك الألوان تهرب مني؟ لا أعلم، لكن حتى عملية البحث عن الحياة باتت تستهلك جهداً ووقتاً طويلاً. صار التفكير يرهقني، وبات التوقف عن التفكير في كل مالا أقدر على تحقيقه مطلب ضروري. القبول والاستسلام للمجتمع بدون مراجعة ذاتية، أعلم أن ذلك يقتلني يوماً بعد يوم، يجردني من ذاتي ومن ألواني، لكن لم تعد لدي القدرة على المقاومة. 

فوداعاً يا ألواني.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s